الارشيف / فن وثقافة / هسبريس

فيلم "الشعيبية" .. سيرة فنانة تكشف تحولات المشهد الثقافي المغربي

  • 1/2
  • 2/2

محمد بنعزيز

الثلاثاء 09 فبراير 2016 - 09:03

عرفت نهاية 2015 صدور أفلام مغربية عدة تستثمر السيرة؛ منها فيلم "الشعيبية" الذي يحكي سيرة الرسامة العصامية. فيلم جميل كثيف بكاستينغ مؤثر عن طفلة تزوجت وترملت مبكرا، وقد عاشت طفولة تتفجر فنا يغسل الروح من قهر الماضي.. ترسم في لحظات الألم، توصف بأنها "هبلة". من هنا استمدت غرام جنون حوّلته إلى إبداع.

يمتعنا الفيلم بالأحاسيس التي يولدها نجاح امرأة عصامية أعجب بها الغربيون الذين يبحثون في أنتربولوجيا المجتمع المغربي.. بينما وصفها اليساريون المغاربة، في سبعينيات القرن الماضي، بأن رسمها فلكلوري فطري (art naïf) يرمز إلى التخلف. ردت على أحد منتقديها "ناييف هو أبوك". (فهمت ناييف لغة لا اصطلاحا).

كانت الشعيبية تحزن حين تكتشف مواقف مواطنيها منها. لم يرفع عنها الحصار إلا بفضل الأجانب. والآن يعترف بها الجميع، فخصص لها المخرج الشاب يوسف بريطل فيلمه الأول.

في الفيلم سرد كرونولوجي ينتقي محطات رئيسية من الطفولة حتى أوج المجد. سهلت المحطات التاريخية على المتفرج أن يتموقع في مسار الأحداث وتطورها. توضح المحطات التاريخية أين ومتى جري الحدث. أدت الممثلة الموهوبة السعدية أزكون الدور الرئيسي بشكل مقنع، زادت عشرين كيلوغراما من وزنها لتتلاءم مع الدور. بينما قامت الممثلة ربيعة رفيع بأداء دور الشعيبية المراهقة.

وللحفاظ على الأمانة التاريخية، اعتمد المخرج على ابن الشعيبية، الرسام الحسين طلال، الذي لم يحصل على نصف شهرة أمه. وقد تجنب المخرج إبراز غيرة الابن مع أن التنافس بين الفنانين شديد جدا.. ما الذي يحصل لفنان حين يرى فنانا آخر على غلاف المجلة؟ ما الذي يحصل لكاتب حين يرى انتشار كتابات زميله؟ قال الجاحظ إنه يهيج مثل جمل مغتلم.

وقد كان الابن حاضرا في التصوير، وهو وثيقة حية. وقد صرح أنه بكى حين رأى الممثلة تؤدي الدور. رأى أمه فعلا. ويبدو أن المخرج جعل فيلمه بلا صراع حين عمل على استرضاء الشاهد، لذا صور الرسامة عصامية جدا وعفيفة جدا. استرضى ابنها، لذا طغت الفنانة على الأنثى. نتابع سيرة امرأة شهيرة تعيش في باريس ولم يقبّلها أحد هناك، ولا حتى الرسام الكبير المقرب منها الجيلالي الغرباوي. وهو الدور الذي أداه الممثل محمد نظيف. وهو ممثل صار مخرجا واحتفظ بموقعه كممثل. قلة من الممثلين الذين صاروا مخرجين احتفظوا بالموقعين.

فيلم "الشعيبية" فيه القليل من التشويق ومن السينما، لكنه رصد للبعد التاريخي للظواهر الثقافية، يفتح نافذة على تحولات المشهد الثقافي المغربي في النصف الثاني من القرن العشرين على مستويين: الأول هو تأسيس التشكيل في ، والثاني هو نجاح الفنان المغربي بين الداخل والخارج وموقف نخبة السبعينيات من الفن الفطري.

لقد رسم أوجين دولاكروا لوحات كثيرة للمغرب. وقد طبعت لوحاته النظرة الفن التشكيلي والنخبة المغربية خلال الحقبة الاستعمارية. وبعد الاستقلال، عمل الرسامون المغاربة على التخلص من التوجه الاستشراقي الذي طبع الرسم المغربي خلال الاستعمار.

كان هناك توجه للخروج من معطف دولاكروا، لذلك عمل مؤسسو التشكيل المغربي؛ مثل الشعيبية والجيلالي الغرباوي وفريد بلكاهية وبلامين، على إبراز لمسة وهوية بصرية مغربية في الفن.

فن أكد ارتباطه الوثيق بجذوره الثقافية عبر المواد المستخدمة والأشكال والرموز المرسومة المستلهمة من الزرابي والوشم والحناء. كانت نساء تتزين بالوشم، وعندما منع الوشم استخدمت النساء نقش الحناء. وقد طغت المواد غير الصباغية والملونات والأكاسيد الطبيعية والنيلة والحديدة الزرقاء وطرق النحاس على اللوحات.. وكان فريد بلكاهية الأقدر في جيله على التنظير لهذه الخصوصية المحلية التي صار لها أفق عالمي بقوله: "أحترم اليد البدائية التي لم يدخل عليها الذكاء".

كان الفن الفطري/الخام موضة وثورة على أكاديميات الفن في النصف الثاني من القرن العشرين. كانت الشعيبية جزء من هذه الموجة، لكنها واجهت أزمة اعتراف في . كان وقع ظلم ذوي القربى كالحسام المهند. كرهت نخبة السبعينيات الفن الفطري ووصفته بالفولكلوري. وقد هاجم عبد الله العروي في "الأيديولوجية العربية المعاصرة" الفولكلور واستخدام الدولة له لملء الفراغ ضد الموجات الثقافية والفنية المُسيّسة.

كانت الشعيبية تعرض لوحاتها في باريس ولندن ونيويورك، وقد كان نجاحها المدوي في الخارج عونا لها في الداخل. وقد اكتشف الشاعر محمد بنيس أن "الثقافة المغربية مثل دبابة مصفحة لا تخترق إلا من الخارج"؛ أي إن الشاعر لن يعترف به الداخل إن لم يعترف به الخارج. ونتيجة الدعم الخارجي، فقد حصلت الشعبية على اعتراف تزايد مع الزمن.

كان هذا ثمرة تحول بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، حين برزت موجة خجولة لتصالح النخبة مع الفن غير الثوري. بعد انهيار جدار برلين، تقوّت هذه الموجة وحل رد الاعتبار للبعد المحلي محل الشعارات الثورية.. تصالح المثقفون المغاربة مع تراثهم باعتباره ملكية للشعب لا للسلطة الحاكمة.

حاليا صارت مكونات الفولكلور؛ مثل رقص أحيدوس الفلاحي والفن الفطري والعيطة والملحون وموسيقى كناوة الأفرومغربية وفرجة الحلقة، تمارس بفخر تعبيرا عن هوية شعبية مستعادة.

فهاماطور للأخبار والأنباء

تطبيق الاخبار على الجوال

كنت تقرأ خبر عن فيلم "الشعيبية" .. سيرة فنانة تكشف تحولات المشهد الثقافي المغربي في فهاماطور للأخبار والأنباء ونحيطكم علما بان محتوى هذا الخبر تم كتابته بواسطة محرري هسبريس ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر فهاماطور للأخبار والأنباء ، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي هسبريس مع اطيب التحيات.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا